من منا لا يحب أن يكون قوياً؟ حسناً، ربما تقول: الأمر يتعلق بمعنى القوة أو المقصود منها هنا. و هذا صحيح، فللقوة أنواع منها الذاتية و منها المكتسبة. و كلا من هذين النوعين أيضاً له مفاهيم أو أشكال، فالقوة الذاتية ربما تبدأ بقوة الروح مروراً بقوة الحكمة أو العقل و تنتهي بقوة الجسد و العضلات. أما القوة المكتسبة فلعلها مستمدة من قوة العائلة أو العشيرة و الدولة أو لنقل هي كل ما يجود به عليك الغير بما يضمن بقاءك و حمايتك.

على كل حال، إذا كنت لا أستطيع أن أؤكد أن جميع البشر يحبون التمتع بكل أشكال القوة، يمكنني أن أجزم على الأقل أنه لا أحد يحب أن يكون ضعيفاً.

تعال نتخيل أنك محظوظ جداً و تملك من قوة الحكمة و الجسد و الدولة معاً..!! لابد أنك ستكون فخوراً بنفسك و ربما يفخر بك الآخرون أيضاً.

حسناً، ماذا لو كنت أنت الدولة نفسها
*!!؟ . بالتأكيد سيكون الأمر رائع بالنسبة لك، و سنستهلك أنا و بقية الناس حبالنا الصوتية صراخاً لك بطول العمر، و أنت بالمقابل ستسعى بكل ما أوتيت من قوة للبقاء على تلك الحال ما حييت دون أن تفتح المجال لمجرد أن يناقش أحد معك موضوع استقالتك. و هذا ما يحصل عادة في بلادنا حتى غدا الأمر من المسلمات التي لا جدال فيها. إذ يندر أن نعثر في التاريخ القديم أو الحديث على أثراً لصاحب دولة تخلى عنها بإرادته ، إلا أن يتم إنتزاعها منه عنوة. و كم ملك من ملوك هذا العصر تسببوا بهلاك الملايين من أبناء شعبهم و ما ذلك إلا ذوداَ عن اسباب ملكهم و قوتهم.

و لكن ماذا لو وقع استمرارك أسيراً لفتنة تم نصبها لك لتضعك أمام خيارين لا ثالث لهما:

مواجهتها عسكرياً كخيار أول حيث أنك الأقوى فعلياً و ستنتصر. على أن ذلك لن يمر بدون خسائر بشرية كبيرة.

أو أن تترفعً بكبرياء عن "وليمة الجائعين" كخيار ثاني لتنزع فتيل الفتنة و تتجاوزها رأفة منك بأبناء شعبك وحقناً لدماءهم.

طبعاً إذا كنت ممن لا يرون سوى أنفسهم فإننا بالتأكيد لن نجد مفردات الخيار الثاني في قاموسك.

أما إذا كان اسمك رفعـت الأسـد فأنت حتماً تنتمي إلى فئة نادرة من القادة القادرين على دفع أي ثمن للذود عن أرواح شعبهم.

هذا كان قرار القائد قبل 25 عاماً. لقد انتهج سيادته الخيار الثاني انتصاراً للإنسان و الإنسانية و التزاماً بالواجبات الوطنية، و قبل و بعد كل شيئ وفاءً لعهده مع الله عز و جل بمودة ذو القربى، فكان و مازال وفياً لما عاهد الله عليه و مخلصاً لمبادئه و قيمه.

هذا هو الإنتصار الحقيقي، و أي انتصار لا يوفي بعهد الله لهو انتصار الخزي و العار.

في عام 1984 وهب القائد للشعب ما ابدعتاه يداه من جيش قوي بناه بعرقه و كفاحه إلى فكر عقائدي قومي كان من المقدر لهما بلوغ مراتب أكثر تقدم في المستقبل. و تم فوق ذلك إرساء أخطاء غيره على كاهله فتحملها رغم ثقلها و كتم آلام كبيرة بصبر عظيم ووفاء نادر.

لقد تجلت قدرة سيادة القائد في أنه اختار الطريق الشاق بإرادته من أجل أن يحفظ دم ابناء الوطن. و من يشك في ذلك فأنا اشك في مدى تمتعه بالبصيرة، ناهيك عن الإحساس!!!

ما أشد عطش الإنسانية لقائد مثل رفعـت الأسـد. من فعلها في زماننا غيره؟ من ذا الذي دفع كل مايملكه إثاراً للغير غيره؟ الأب و الأم وحدهما قادران على فعل هذا بما حباهما الله من رحمة لأبناءهما، و رفعت الأسد هو الأب و القائد لكل أبناء الوطن.

* نحن في بلادنا لدينا هكذا مصطلح، فيقال أن فلان من الناس هو الدولة كناية عن تمتعه بمركز سياسي كبير أو قوة عسكرية ضخمة تمكنه من التصرف بحرية مطلقة.
السابق             الرئيسية             التالي
قوة القائد بإرادته و تضحياته